الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
42
نفحات الولاية
والبركة ، وقد عزم قطعاً على الاستقرار فيه ، وعليه فمفهوم كلامه عليه السلام أنّ الدنيا منزل مؤقت عابر ولا قيمة لها لكي يتخذها الإنسان موضعاً للإقامة والاستقرار ، ثم واصل عليه السلام الكلام بالإشارة إلى أدلّة المطلب السابق ليقول : « قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا ، وَغَرَّتْ بِزِيْنَتِهَا . دَارٌ « 1 » هَانَتْ عَلَى رَبّهَا ، فَخَلَطَ حَلَالَهَا بِحَرَامِهَا ، وَخَيْرَهَا بِشَرّهَا ، وَحَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا ، وَحُلْوَهَا بِمُرّهَا » . إذا أردت الحصول على الرزق الحلال فانّ عليك أن تتحمل آلاف المصاعب والمعاناة وأن تتجاوز الطرق الوعرة والمطبات الشائكة ، كما عليك أن تعد بدنك لوخز الأشواك كلما حاولت غرس الزهور ، وإن ابتغيت العسل فما عليك إلّاأن تتوقع لدغ الزنابير ، فالواقع هناك أفعى كامنة في كل كنز ومرارة في كل حلاوة ، وعلى سبيل المثال فمن لم يرزقه اللَّه الولد عاش الهم والغم الذي يثقل كاهله ويكدّر روحه ، ولكن ما إن يرزق الولد حتى يواجه سيل المشاكل التي تعقب ذلك ، وهكذا سائر النعم التي يثير فقدانها الغم ووجودها التعب والإرهاق . ثم أكّد عليه السلام ذلك الكلام على أنّه هو السبب الذي لم يجعل اللَّه سبحانه يرضها ثواباً لأوليائه ولم يمنعها عن أعدائه : « لَمْ يُصْفِهَا « 2 » اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ ، وَلَمْ يَضِنَّ « 3 » بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ » . نعم ، لو كان متاع الدنيا ثمين لخصّ بها الحق سبحانه أولياءه وزواها عن أعدائه ، لكنّها لما كانت زهيدة لا قيمة لها ، فهو يهبها لكل شخص . ثم أضاف عليه السلام : « خَيْرُهَا زَهِيدٌ وَشَرُّهَا عَتِيدٌ « 4 » . وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ ، وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ ، وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ » . والعجيب ليس هناك من تدريج في هذه التغييرات وزوال النعم وانهيار الحكومات وخراب المعمور ، بل أحياناً يتغير كل شيء خلال ساعة ، بل في برهة من الزمان والتاريخ مليىء بمثل هذه الحوادث المرعبة والتي تنطوي على العبر والدروس . فكيف والحال هذه يتعلق بالدنيا عاقل ؟ ويثق بنعمها ؟ ويفرح باقبالها ويحزن لإدبارها ؟
--> ( 1 ) وردت هذه العبارة في سائر النسخ بهذه الصيغة « دار هانت على ربّها » ، بينما يبدو أنّها وردت خطأ فينسخة صبحي الصالح والتي أقتبست منها هذه النسخة بهذه الصيغة « دارها هانت » . ( 2 ) « لم يصفها » : من مادة « الاصفاء » بمعنى الاختصاص إشارة إلى تفاهة نعم الدنيا بحيث منحها اللَّه الجميع . ( 3 ) « لم يضن » : من مادة « الضن » بمعنى البخل . ( 4 ) « عتيد » : من مادة « عتاد » على وزن جواب بمعنى حاضر وتأتي بمعنى الإدخار .